السبت, 25 نوفمبر, 2006
بسم الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
اليوم استيقظت باكرا فعادة ما يحدث لي ذلك بفعل صراخ وبكاء ولدي وأنهض مباشرة من سريري وبمجرد ما ألج حجرته حتى يتوقف عن البكاء ويستقبلني بابتسامة جميلة وحنونة وبريئة فأقول له : صباح النور يامحمود, فيمد يده طالبا مني حمله وبالفعل أنقله الى سريري وأبدأ في مداعبته حتى تستفيق أمه التي تتولى اعداد الفطور وأتناوله مسرعا بغاية الخروج قبل الساعة التاسعة بعدما ارتديت لباسي الرياضي لأن هذا اليوم كان برمجا فيه الذهاب رفقة عدد من زملائي للعب كرة القدم الى منطقة الدالية وهي منطقة جبيلية رائعة تطل على البحر الأبيض المتوسط وقريبة من مدينة القصر الصغير مدينة البحر حيث اقتربت فيه نهاية أشغال بناء الميناء المتوسطي الضخم هذا المشروع الذي أسال الكثير من المداد وغير جغرافيا المنطقة وهجر بسببه سكان عدد من القرى الجميلة وتم الاستيلاء على كل المناطق المطلة على البحر من أجل المنفعة العامة هذه العملية التي شابتها خروقات عديدة مست الانسان في انتمائه لبيئته مقابل تعويضات هزيلة فأدرت محرك سيارتي وانطلقت مسرعا نحو مقهى قريبة من المحكمة الابتدائية بطنجة وقد كان الجو باردا مع قليل من المطر وكم كنت سعيدا لرغبتي باللعب في هذا الجو لكنني عندما وصلت غاب جل الزملاء وحضر البعض ونتيجة للجو المطير تقرر الغاء الذهاب الى الملعب فعدت الى مكتبي القريب من المحكمة وأردت انجاز بعد الأشغال لكن ولانعدام الرغبة قررت أن أغادره فاذا باتصال يأتيني عبر الهاتف الخلوي من صديق يخبرني بقصة جيرانه اللذين فقدوا ثلاثة أبناء بمنطقة طنجة البالية المطلة على الطريق المؤدية الى مدينة تطوان وطلب مني القدوم قصد المساعدة وفورا انتقلت اليه وعندما وصلت الى عين المكان عرفني بوالد أحد هؤلاء الفتية اللذين توفوا نتيجة غرقهم ببحيرة
شرع هذا الوالد وبحسرة شديدة يحكي لي القصة كيف حدثت والتي بدأت بتاريخ 26 من أكتوبر من هذه السنة ذلك أنه بعدما حزم أمتعته للسفر الى مدينة بنسليمان أوصى أولاده بالمكوث بالمنزل وعدم مغادرته رفقة جدتهم فنطق الولد محمد الشهيد وعمره عشر سنوات ووعده بتنفيذ وصيته وطلب منه ان يرافقه هذه السنة الى السوق عند حلول موسم عيد الأضحى فوافقه الوالد وهكذا سافر وخلال غيابه من نفس اليوم خرج الطفل محمد للذهاب الى المدرسة حوالي الساعة الثانية ظهرا رفقة رفاقه لكن الذي حدث أنهم عرجوا على بحيرة كبيرة أحدثتها أشغال بناء الطريق السيارالمؤدي الى مدينة القصر الصغير الذي تنجزه شركة تركية فشاء القدر أن تنزلق قدم رفيق محمد وعمره أربع سنوات وسقط في البحيرة المليئة بالأوحال فأراد كل من محمد ورفيق آخر له انقاذ الصغير من الغرق وعمدوا الى شبك أيديهم في شكل سلسة وربطها بيد الطفل المستغيث لكنهم فقدوا التوازن وانزلقوا جميعا وسقطوا في البحيرة وساروا يستغيثون دون جدوى وحضر بعض السكان لكنهم عجزوا عن انقاذهم لعدم درايتهم بالسباحة لكن الشجاعة ملكت أخ محمد وعمره أربع عشر سنة وقفز في البحيرة وأراد انقاذ أخيه وشرع يسبح بكل قواه لكن وجود أعمدة من الاسمنت مغروس فيها الصلب ذو نتوءات حداة أصاب قدمه بجروح بليغة ورغم ذلك وسيلان الدم مد يداه بكل جهد وهو يصرخ : أخي مد لي يدك وكان قريب من انقاذه لكن القدر كتب موت الطفل محمد غرقا رفقة طفلين آخرين الذين اختفوا أما م أعين الناس وأنقذ الأخ الكبير بجهد بعدما أصيب اصابات بليغة في قدمية وبكى بكاء حارا على فقدان محمد لأنه عجز عن انقاذه وخذلته قواه .
بلغ أمر غرق الأطفال الى السلطات التي حضرت وباشرت اجراءات اخراج الجثث وانجاز المحاضر وكان قائد المنطقة المكلف بالسهر على الأمن أن خاطب والد الضحية محمد بعدما عاد من السفر : لا عليك فالشركة تملك التأمين ويمكنها أن تعوضكم وتحصلوا على مال كثير ,نظر اليه الأب وقال: لا حول ولا قوة الا بالله أهكذا تخاطبي وتواسيني في فجيعتي كم هو ثمن ابني ؟ ترى كم يكفيك أنت من المال لو أن ابنك غرق ؟ وهل يستطيع ذلك أن يعوضك فقدانه ؟ فبهت القائد وسكت عن الكلام
اليوم وقد مرت ما يقرب على شهر على هذه الفاجعة لازال الوالد يعاني أتدرون لماذا ؟ ليس لأنه فقد طفلا عزيزا فقط ولكنه احتار كيف يعامل أخاه التوأم الذي ظل وحيدا وفجع أكثر من غيره في هذه المصيبة ويبكي باستمرار.
هذه القصة تجعلنا نحزن لموت هؤلاء الأطفال صحيح أن غرقهم كان قضاءا وقدر ولكن العبرة في الخطأ كل الخطأ الذي كان نتيجة تقيصر الشركة التي تتولى بناء الطريق السيار والتي صارت تدمر البيئة وتغير معالم الجغرافيا ودون احترام لادنى شروط السلامة والوقاية هذا فضلا عن مسؤولية الدولة التي فوضت لهذه الشركة للقيام بمهام الحفر واستغلال الأتربة دون أن تقوم بوظائفها في المراقبة والتتبع ثم انا لله وانا اليه راجعون وفي النهاية كلفني والدي الضحايا ليتولى مكتبنا مهمة الدفاع عن حقوقهم وتحديد المسؤوليات وفضح الخروقات وفي الواقع أنا أقوم بهذه المهة تمتلكني أحاسيس غريبة تشعرني كما لو أنا والد هؤلاء الأطفال يقوي هذا عزمتي ويسعدني بنبل رسالتي .
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











من المغرب
ما شاء الله و لاحول ولا قوة إلا بالله وأنا أقرأ هذه القصة تألمت كثيرا لأن أرواح أولادنا لا تسوى شيئا في هذا الوطن، لا حول و لا قوة إلا بالله